الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

85

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 35 إلى 36 ] إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 35 ) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ( 36 ) تقدم القول في موقع إذ في أمثال هذا المقام عند تفسير قوله تعالى : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة : 30 ] . وموقعها هنا أظهر في أنها غير متعلقة بعامل ، فهي لمجرد الاهتمام بالخبر ولذا قال أبو عبيدة : إذ هنا زائدة ، ويجوز أن تتعلق باذكر محذوفا ، ولا يجوز تعلقها باصطفى : لأنّ هذا خاص بفضل آل عمران ، ولا علاقة له بفضل آدم ونوح وآل إبراهيم . وامرأة عمران هي حنّة بنت فاقوذا . قيل : مات زوجها وتركها حبلى فنذرت حبلها ذلك محرّرا أي مخلّصا لخدمة بيت المقدس ، وكانوا ينذرون ذلك إذا كان المولود ذكرا . وإطلاق المحرّر على هذا المعنى إطلاق تشريف لأنّه لما خلص لخدمة بيت المقدس فكأنّه حرر من أسر الدنيا وقيودها إلى حرية عبادة اللّه تعالى . قيل : إنّها كانت تظنّه ذكرا فصدر منها النذر مطلقا عن وصف الذكورة وإنّما كانوا يقولون : إذا جاء ذكرا فهو محرّر . وأنّث الضمير في قوله : فَلَمَّا وَضَعَتْها وهو عائد إلى ما فِي بَطْنِي باعتبار كونه انكشف ما صدقه على أنثى . وقولها : إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى خبر مستعمل في إنشاء التحذير لظهور كون المخاطب عليما بكل شيء . وتأكيد الخبر بإنّ مراعاة لأصل الخبرية ، تحقيقا لكون المولود أنثى ؛ إذ هو بوقوعه على خلاف المترقّب لها كان بحيث تشك في كونه أنثى وتخاطب نفسها بنفسها بطريق التأكيد ، فلذا أكّدته . ثم لما استعملت هذا الخبر في الإنشاء استعملته برمّته على طريقة المجاز المركّب المرسل ، ومعلوم أنّ المركب يكون مجازا بمجموعه لا بأجزائه ومفرداته . وهذا التركيب بما اشتمل عليه من الخصوصيات يحكي ما تضمنه كلامها في لغتها من المعاني : وهي الروعة والكراهية لولادتها أنثى ، ومحاولتها مغالطة نفسها في الإذعان لهذا الحكم ، ثم تحقيقها ذلك لنفسها وتطمينها بها ، ثم التنقل إلى التحسير على ذلك ، فلذلك أودع حكاية كلامها خصوصيات من العربية تعبر عن معان كثيرة قصدتها في مناجاتها بلغتها . وأنّث الضمير في إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى باعتبار ما دلت عليه الحال اللازمة في قولها